أبي حيان الأندلسي

187

تفسير البحر المحيط

امرؤ وامرأة ، وكتبتَ من خط أستاذنا أبي جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى : * كل جار ظل مغتبطا * غير جيراني بني جبله * * هتكوا جيب فتاتهم * لم يبالوا حرمة الرجله * الدرجة : المنزلة ، وأصله من درجت الشيء وأدرجته : طويته ، ودرج القوم فنوا ، وأدرجهم الله فهو كطي الشيء منزلة منزلة والدرجة المنزلة من منازل الطي ، ومنه الدرجة التي يرتقى إليها . الإمساك : للشيء حبسه ، ومنه اسمان : مسك ومساك ، يقال : إنه لذو مسك وميساك إذا كان بخيلاً ، وفيه مسكة من خير أي : قوة ، وتماسك ومسيك بيَّن المساكة . التسريح : الإرسال ، وسرح الشعر خلص بعضه من بعض ، والماشية أرسلها لترعى ، والسرح الماشية ، وناقة مسرح سهلة المسير لانطلاقها فيه . * ( وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لاِيْمَانِكُمْ ) * قال ابن عباس : نزلت في عبد الله بن رواحة وختنه بشير بن النعمان ، كان بينهما شيء ، فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين زوجته ، وجعل يقول : حلفت بالله ، فلا يحل لي إلاَّ برّ يميني . وقال الربيع : نزلت في الرجل يحلف أن لا يصل رحمه ولا يصلح بين الناس ؛ وقال ابن جريج : في أبي بكر حين حلف لا ينفق على مسطح حين تكلم في الإفك ، وقال المقاتلان ابن حيان وابن سليمان : حلف لا ينفق على ابنه عبد الرحمن حتى يسلم ؛ وقيل : حلف أن لا يأكل مع الأضياف حين أخر ولده عنهم العشاء ، وغضب هو على ولده . وقالت عائشة : نزلت في تكرير الأيمان بالله ، فنهى أن يحلف به براً ، فكيف فاجراً . ومناسبة هذه الآية لما قبلها ، أنه تعالى لما أمر بتقوى بالله تعالى ، وحذرهم يوم الميعاد ، نهاهم عن ابتذال اسمه ، وجعله معرضاً لما يحلفون عليه دائماً ، لأن من يتقي ويحذر تجب صيانة اسمه وتنزيهه عمالا يليق به من كونه يذكر في كل ما يحلف عليه ، من قليل أو كثير ، عظيم أو حقير ، لأن كثرة ذلك توجب عدم الاكتراث بالمحلوف به . وقد تكون المناسبة بأنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتحرز في أفعالهم السابقة من : الخمر ، والميسر ، وإنفاق العفو ، وأمر اليتامى ، ونكاح من أشرك ، وحيال وطء الحائض ، أمرهم تعالى بالتحرز في أقوالهم ، فانتظم بذاك أمرهم بالتحرز في الأفعال والأقوال . واختلفوا في فهم هذه الجملة من قوله * ( وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لاِيْمَانِكُمْ ) * وهو خلاف مبنى على الاختلاف في اشتقاق العرضة ، فقيل : نهوا عن أن يجعلوا الله معداً لايمانهم فيحلفوا به في البر والفجور ، فإن الحنث مع الإكثار فيه قلة رعي بحق الله تعالى ، كما روي عن عائشة أنها نزلت في تكثير اليمين بالله ، نهى أن يحلف الرجل به براً فكيف فاجراً ؟ وقد ذم الله من أكثر الحلف بقوله : * ( وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ) * وقال : * ( وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ ) * . والعرب تمدح بالإقلال من الحلف قال كثير : * قليل ألا لا يا حافظ ليمينه * إذا صدرت منه الألية برت * والحكمة في النهي عن تكثير الأيمان بالله أن ذلك لا يبقي لليمين في قلبه وقعاً ، ولا يؤمن من إقدامه على اليمين الكاذبة ، وذكر الله أجل من أن يستشهد به في الأعراض الدنيوية . وقيل : المعنى : ولا تجعلوا الله قوة لأيمانكم ، وتوكيداً لها ، وروي عن قريب من هذا المعنى عن : ابن عباس ، وإبراهيم ، ومجاهد ، والربيع ، وغيرهم قال : المعنى : فيما تريدون الشدة فيه من ترك صلة الرحم ، والبر والإصلاح ، وقيل : المعنى : ولا تجعلوا الله حاجزاً ومانعاً من البر والإصلاح ، ويؤكذه